حياتها رواية، تشبه الشخصيات التى تكتب عنها.
تقرأ فيها عن والديها اللذين انتقلا بها من مدينة إلى أخرى بحكم عمل والدها
سفيرا.. الانفصال.. منزل أجدادها الذين استقبلوها مع والدتها.. انقلاب بينوشيه
واغتيال عمها.. المنفي…
لقد أنقذ الكتاب حياتها، فالكتابة هى تفحص طويل
لأعماق النفس، ورحلة إلى أشد كهوف الوعى عتمة، وتأمّل بطيء..
هكذا تؤكد الكاتبة السبعينية إيزابيل الليندى
والتى تعد إحدى أشهر الروائيات التشيليات وصاحبة التجربة الروائية الغزيرة.. »إننى
أكتب متلمسة الصمت، وأكتشف فى أثناء الطريق، أجزاء من الحقيقة.»
تجاوزت روايات الليندى العشرين وانتقل عدد كبير
منها إلى ٣٥ لغة،منها العربية. من أهم هذه الروايات: بيت الأرواح، ما وراء الشتاء،
سفينة نيرودا، ايفا لونا..
تصنف رواياتها فى اطار الواقعية السحرية التى
تجمع بين الواقع وعناصر مفاجأة من الخيال. لا يخبو جمال رواياتها ولا تندثر مفاجآتها، طريقة نحتها للشخصيات
رائعة.. تشعر بأنك ستلتفت لتجد إحدى الشخصيات جوارك، مقارنة مع الكثير من شخصيات
الروايات التى نجدها باهتة مسطحة مكررة.
بالنسبة لها، الرواية لها مكانة كبيرة فى تاريخ
الإنسان: لولا القصص لاضمحلت الحضارة، ولم تكن لنا ذاكرةٌ جَمعية، ولا فهم
للأحداث، ولا تراث روحى.
كاتب القصص ساهم فى تشكيل العقل البشرى منذ
الأزل. كما تؤكد أنه «حيث توجد النساء توجد الحضارة».
ربما ما شهدته على مدار حياتها من احداث قاسية
جعلها قادرة على تحويل الكتابة إلى علاج لحزنِها. الأحداث التى شكلت قدر الليندى
عديدة، منها: حقيقة أن والدها تخلى عن أسرته حينما كانت فى الثالثة من العمر،
والانقلاب العسكرى فى تشيلى الذى غيّر بلدها وأجبرها على المنفى، وزواجها من الرجل
الأمريكى الذى أتى بها إلى كاليفورنيا كمهاجرة.
غير أن موت ابنتها بات الحزن الأعظم فى حياتها.
تجلى ذلك فى روايتها «باولا» التى كتبتها لأجل ابنتها باولا بعد أن رحلت شابة
نتيجة سقوطها ضحية مرض نادر. «أكتب إليك يا پاولا لكى اعيدك إلى الحياة». كتبت
الليندى هذه السيرة الروائية لتحكى فيها عن طفولة ابنتها وحياتها وأسرتها والوضع
السياسى فى تشيلى بطريقة أدبية رائعة، وأيضا عن پاولا وصراعها الطويل مع المرض.
لست أدرى فى أى منعطف على الطريق أضعت الشخص
الذى كنته فيما مضي!!..
يوم آخر من الانتظار، ويوم ينقص من الأمل، يوم آخر من الصمت، ويوم
ينقص من الحياة. الموت يمضى طليقاً فى الممرات ومهمتى مشاغلته حتى لا يجد الطريق
إلى بابك..
عقب وفاة والدتها، كتبت عنها الليندى رواية
«فيوليتا»، وهى عن قصة امرأة ولدت خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1920،
وتنتهى الرواية فى الوقت الذى ماتت فيه، خلال فيروس كورونا فى عام 2020.
يراودها دائما تساؤلات حول الحياة الأخري: ماذا
يوجد فى الجانب الآخر من الحياة ؟ ماذا يبقى إذا انتهت الرغبات والذكريات والآمال
؟.. على يقين دائما بأننا «لانعيش الحياة فى خط مستقيم بل نعيشها فى دوائر، نعتقد
أن السنين تبعدنا عن الشيء لنتفاجأ بأننا كنا برحلة طويلة للعودة إليه»..
وفقا لشهرزاد تشيلي: يقينا الفراق صعب، لا شيء
يستنزف الصلابة الداخلية، مثل إحساس المرء بأنه مجرد عابر.
صامدة أمام التحديات التى واجهتها طوال حياتها،
تظل ايزابيل الليندى أيقونة للصمود وقوة الارادة.. حتى الموت والفراق رغم مرارتهما
لم يهزماها، فتقول هنا: إننى أتألم مثلك، ولكننى أقل خوفا من الموت وأكثر أملا
بالحياة.
المصدر: الاهرام
الجمعة 7 من محرم 1444 هــ 5 أغسطس 2022 السنة 147 العدد 49550
تحميل كتب ايزابيل الليندي